مينا ملاك (( طائر الليل الحزين )) مخرج مسرحى مؤلف وكاتب سيناريو وحوار .. مصمم أستعراضات شاعر وملحن .. وكاتب قصص
الأربعاء، 19 أكتوبر 2011
ماذا تعرف عن المسرح الأسود
المسرح الأسود
المسرح الأسود فن من الفنون الحديثة . دخل منذ عهد قريب إلى مجال الخدمة المسيحية، بدأ كمسرح للأطفال، وأصبح اليوم أحد الركائز في أنشطة الكنيسة وخدمتها في علما الشعب . ننشر هنا محاضرات للقس أمير اسحق قدَّمها في مؤتمر تدريب خدام مدرسة الأحد في كنائس السينودس الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان . في هذه المحاضرات نتعرَّف على ماهية المسرح الأسود، وكيف نؤسس فريقاً لهذه الخدمة، وكيف نحضِّر الأشغال ونركِّب المسرح .
أفكار أساسية بسيطة سريعة
المسرح :
المسرح هو أبو الفنون وأولها منذ عصر الإغريق والرومان، حيث كانت المسارح هي الوسيلة الوحيدة للتعبير الفني، بعد حلبات المُصارعة والمُسابقات . وهناك قصة قديمة عن نشأة المسرح تقول : إنَّه في إحدى ليالي ذلك الزَّمن السحيق، اجتمع بعض الرجال حول نار مُشتَعِلة طلباً للدِّفء وتبادُل القصص والأحاديث . وفجأة خَطَر ببال أحدهم الوقوف واستخدام ظِلِّه في شرح قِصته . فاستعان بضوء اللهب ليُظهِر على الجدران شخصيات أكبر حَجماً من الأشخاص الحقيقيين، ممَّا أبهر وأدهش الحاضرين، ثم تكرَّر الأمر في الأعياد والمناسبات، ومنذ ذلك الحين بدأ يتطوَّر حتى يومنا هذا . لعلَّ هذه كانت بداية الفنَّ المسرحي .
المسرح، منذ نشأته وحتى اليوم، وسيلة مِن وسائل التثقيف المؤثِّرة . لكن عندما يُقدَّم المسرح للأطفال، فلابُد مِن وجود نظرية تربوية إلى جوار الجُرعة الثقافية البسيطة السَّهلة التي تُقدَّم للأطفال . ويُضاف إلى ذلك البُعد الفنِّي للمسرح، أي التسلية البعيدة عن السطحية والابتزال .
التمثيل :
{تفسير وتجسيد شخصية كتابية، أو من نَسج خيال المؤلِّف، عن طريق التعبير الجسمي والصوتي والخيالي للمُمثِّل}
تفسير، أي إيضاح الأفكار والمُعتقدات والسلوكيات المُراد توصيلها وإقناع الجمهور بها .
تجسيد، أي خَلْق شكل مادي مرئي حيوي للشخصية المُراد تأديتها على المسرح .
التعبير الجسمي، أي التعبيرات الانفعالية وردود الأفعال المُتباينة .
التعبير الصوتي، وهو مِن أهمّ أدوات المُمثل . فالصوت مادة خام يجب تشكيلها وتطويعها حسب الحاجة . إنَّ الصوت في حياتنا العادية فيه الكثير من العيوب، لكنها لا تشكِّل خطورة على أحاديثنا، مُعظمها عيوب في مخارج الألفاظ . لكن على المسرح، يجب ألا تظهر مثل هذه العيوب .
ومِن الصعوبات الصوتية التي تواجِه المُمثل أيضاً : عدم تنوُّع صوته بحسب الانفعال المُراد التعبير عنه . والتنفُّس في غير مَحَلِّه، إذْ أنَّ مُعظم أخطاء الصوت ترجع إلى سوء عملية التنفس أثناء الأداء، بسبب عدم القدرة على التحكُّم في كمية الهواء الخارج مع الصوت . فتخرج كمية كبير مِن الهواء في الجزء الأول مِن الجُملة، فيأتي الجزء التالي بصوت مشدود، بسبب قِلَّة الهواء الخارج مع الصوت . فكيف نقرأ هذه الجُملة مثلاً ؟ لأنَّه هكذا أحبّ الله العالم / حتى بذلَ ابنه الوحيد / لكي لا يهلك كلّ مَن يؤمن به / بلْ تكون له الحياة الأبدية / كلّ مَن يُقبِل إليه لا يُخرجه خارجاً / إنَّه يُحِبّ الخُطاة، لكنَّه يكرَه الخطية .
البانتومايم : يُعتبر هذا الفنّ النواة الأساسية للعمل التمثيلي بوجه عام . والبانتومايم هو الأداء التمثيلي الصامت، الذي يعتمِد كلياً على الحركة الجسمية الظاهرة الجيدة، التي يجب أن تكون : نشطة، مُحدَّدة، اقتصادية، لها بداية قاطعة ونهاية قاطعة .
مسرح الطفل :
هذا التعبير نعني به : المسرح الذي يقدِّمه الكبار للأطفال، أو الذي يقدِّمه الأطفال للأطفال . إنَّ مشاركة الأطفال في الأداء المسرحي يحتاج إلى مُعلِّم أو مُخرِج مُقتدِر، يستطيع أنْ يُترجِم أفكار المؤلِّف أو القصة الكتابية بما يتناسَب مع عُمر الطفل . لذلك فإنَّ أول ما يجِب أنْ يتحلَّى به هنا هو الصَّبر، لأنَّ هذا هو مفتاح النجاح في خدمة الأطفلل . لأن الطفل يحتاج إلى وقت طويل حتى يُتقِن ما يريد ويستوعِبه . لذلك فالأعمال التي تُقدَّم للأطفال، أو التي يُقدِّمها الأطفال على المسرح، تحتاج إلى مجهود مُضاعَف . فلَن ينسى الأطفال العمل الذي شاركوا فيه بأنفسهم، أو الذي تمَّ تأديته في مشاهد حركية أمامهم . إنَّ مسرح الطفل ليس وسيلة للضَّحك والتسلية فحسب، لكنَّه وسيلة تثقيفية وتعليمية شديدة التأثير على الكبار والصغار .
يجب أنْ يكون مسرح الطفل بعيداً عن التهويل والرُّعب والأعمال الخارقة . وأنْ تكون الشخصيات المُجسَّدة في العمل المسرحي قريبة إلى نَفسه وعُمره، حتى تُحبِّبه في قِيَم الشجاعة وحُبّ الخير للغير واحترام الآخرين . أما أقرب الألوان المسرحية إعجاباً لدى الأطفال، فهي المسرح الاستعراضي، والغنائي، والعرائس، والمسرح الأسود أيضاً . وتأتي مشكلة الألفاظ المُستخدمة في مقدِّمة المتاعِب التي يواجهها مسرح الأطفال . فالكاتب هنا يقِف مُتحيِّراً أمام الأفكار التي يريد أنْ ينقلها للأطفال، وبأيّ لُغة يخاطبهم ويتفاعَل معهم .
يُقَسَّم مسرح الطفل إلى قسمَيْن أساسيَيْن :
أ0 المسرح الفِطْري :
الذي يُخْلَق مع الطفل بالغريزة الفِطرية . ويستند إلى الارتجال والتمثيل اللعبي والتعبير الحُرّ التلقائي . مِثل لعبة : عروسة وعريس، وعَسْكَر وحراميَّة .
ب0 المسرح التعليمي :
الذي يُنجِزه الطفل بإشراف المُعلِّم أو المُخرِج . ويستند إلى نصوص مُعدَّة سلفاً . وينقسم إلى :
1 ) مسرح التعليم الأوَّلي، الذي يرتبط بالقصص الكتابية . حيث يقوم فيه الطفل بأدوار الشخصيات الكتابية أو الحيوانات ( كما في قصة السامري الصالح ) ، أو الطيور ( كما في قصة غُراب إيليا ) ، تلك الحيوانات والطيور التي ترافق الشخصيات بحسب القصة الكتابية .
2 ) المسرح المدرسي، الذي يشترك فيه الفرد في المدرسة الابتدائية والإعدادية والثانوية، وفي الجامعة أيضاً، مِن أجل تحقيق أهداف فكرية ووجدانية وحركية ووطنية لديهم . يُشرف على تلك المسرحيات المُدرسين أنفسهم، وتُقدَّم تلك المسرحيات في المناسبات الوطنية أو الدينية أو المدرسية .
3 ) مسرح العرائس، أي الدُمى التي تتحرَّك بواسطة خيوط أو بأيدي المُمثِّلين أنفسهم . وهو مسرح مكشوف يعرض القصص أمام الجمهور . ويمكن استخدام ستارة بين الجمهور والمُمثلين، أو لتغطية الدمى قُبَيل العَرض . ولهذا النوع من المسرح تأثير كبير على الأطفال، لأنه يُبهرهم بقصصه الهادفة، وقيمه النبيلة، فيغرسها في نفوسهم . ويُعتَقَد أنَّ اليابانيين مِن أوائل الذين أبدَعوا في هذا النوع مِن المسرح، حتى أصبح عندهم أداةً فعَّالة في التلقين والتعليم، يتهافَت عليها الكبار والصغار .
4 ) مسرح خيال الظلّ، الذي يعتمد على الأشعة الضوئية العادية لتشخيص الأشياء، التي من خلالها تنعكس الظلال على الشاشة، باستعمال الأيدي أو الصور .
5 ) المسرح الإذاعي، الذي يعتمد اعتماداً أساسياً على الأداء الصوتي، مع مؤثرات صوتية وموسيقى تصويرية مناسِبة . يسمعه الجمهور ويتخيَّلون الأحداث والحركات .
مسرح العرائس/ الدمى :
فَنّ العرائس فنّ واسِع، وُلد وتطوَّر عَبر التاريخ ليُخاطِب الكبار أساساً، لكنَّه تحوَّل تحوُّلاً كاملاً للمُشاهِد الصغير . إلا أنَّ هذا لا يعني أنَّه انحدَرَ في مساره، أو تنازل عن أصول المسرح وتقنيات فنّ العرض، بل إنَّه بهذا التحوُّل تطوَّر وارتقى . وقد ارتبطت العرائس بخيال الإنسان وفِكره مُنذ طفولة العقل البشري، إذْ تعرَّفت عليها جميع الحضارات .
وهناك أربعة أشكال أساسية للعرائس : آدمية، حيوانية، كرتونية، وخيالية . فيمكن أنْ تكون الدُّمية على شكل إنسان، أو حيوان . ويمكن أنْ تكون من الكرتون لشخصية إنسان أو حيوان . ويمكن أنْ تكون شخصية خيالية لا وجود لها في الواقع، يخترعها المؤلِّف أو المخرج أو المُعلِّم . حيث تقوم هذه العرائس بمخاطبة الأطفال أو المُتفرِّجين . وقد تطوَّرت العرائس عبر التاريخ، واستفادَت مِن التقدُّم العلمي والتقني، أُسْوَة بالمسرح الآدمي . فتحوَّلت إلى فَنّ عالمي راقٍ، له أُسُسَه وركائزه . لقد وُلدَ هذا الفَنّ مع الكبار، ومازال يُخاطِب الكبار والصغار .
وفي فترة مُتأخِّرة مِن تطوُّر هذا الفَنّ، ومع بروز التيارات الحديثة في المسرح، تبلور اتجاه جديد، ما لَبَث أنْ أثبَتَ نفسه وترسَّخ، هو فَنّ المسرح الأسود، الذي يُعتبر فرعاً مِن مسرح العرائس . حيث اعتمد اعتماداً أساسياً على تطوُّر فَنّ الإضاءة وترسُّخها كعنصر هام وفعَّال مِن عناصر العرض المسرحي على اختلاف أنواعه، من جانب، كما اعتمد على تطوُّر نظام الألوان وظهور اشتقاقات لونية جديدة لم تكُن معروفة سابقاً، من جانب آخر . وسوف نتناول موضوع المسرح الأسود بتفصيل أكثر على الصفحات القادمة .
الإخراج المسرحي :
الإخراج المسرحي فَنّ مِن الفنون الحديثة نسبياً، حيث ظَهَرَت هذه الوظيفة في بداية القرن العشرين، بينما كان الإخراج في الماضي عمل المُمثل أو المؤلِّف . والمُخرج هو الشخص الذي لديه رؤيا، فيرى العمل مُتكاملاً قَبْل التحضير له والبَّدء فيه والتدريب عليه واكتماله . وهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في العمل، ويجب أنْ يَسمَع له المُمثلين والعاملين في المسرح . إنَّه يسمع لآراء الآخرين، لكنَّه صاحب الكلمة الأخيرة . أما عمله فيكون على النحو التالي :
( 1 ) اختيار القصة أو النَّصّ . ( 2 ) اختيار المُمثلين . ( 3 ) توزيع الأدوار والأشغال . ( 4 ) تدريب المُمثلين على أدوارهم . ( 5 ) مُتابعة تنفيذ هذه الأعمال : الديكور، الإضاءة، الموسيقى التصويرية، تصميم الملابس، وتصميم الأشكال والرسومات المُستخدَمة . هذه الأمور يقوم بها أناس مُتخصِّصون، لكن على المُخرج مُتابعتهم والإشراف عليهم حتى يضمَن تنفيذ وتحقيق رؤيته الكاملة للعمل الفني .
الكنيسة والمسرح :
الكنيسة في عصورها الأولى، مع الأسف الشديد، اضطَهَدَت المسرح باعتباره رمزاً مِن رموز الوثنية، التي تُبعِد الإنسان عن عبادة الرب . ذلك لأنَّ المسرح الروماني، واليوناني أيضاً، كان يَستمِدّ مُعظَم موضوعاته مِن قِصَص الآلهة . وكان يُعبِّر عن حالة المجتمع، الذي هو في نَظَر الكنيسة ذلك العالَم الشرير الساقِط في الخطية . لذلك اضطَهَدَت الكنيسة العمل المسرحي، ومَنَعَت شعبها مِن الذهاب إلى المسرح، أو حتى مُجرَّد العمل الوظيفي في ذلك المجال .
لكن بعد أنْ أعلن الإمبراطور قُسطنطين المسيحية الدِّين الرسمي للدولة، أصبح للكنيسة نفوذ وسُلطة، فبدأت في تنفيذ سياساتها الاضطهادية تجاه المسرح . فصدر أمر بابوي في القرن السادس بإغلاق دور المسرح، ومُعاقَبَة كلّ مَن يقرأ قِصصاً لكتَّاب يونانيين . وحتى القرن العاشر، اختفى وجود المسرح ونشاطاته . واقتصَر نشاطه على بعض الاسكتشات التي كانت تَسخَر مِن الكهنة، الأمر الذي زاد مِن سَخط الكنيسة على المسرح .
لكن في القرن العاشر تقريباً، بدأ بعض الرهبان والراهبات يقرؤون للفلاسفة والكتَّاب الرومان واليونان . فبدأ ظهور بعض الاسكتشات الصغيرة المكتوبة لتعليم الشعب المسيحي المبادئ المسيحية . ثم دخلَت الدراما في العبادة، فكان الكهنة يمثِّلون، أثناء القداس الإلهي، حوار المسيح مع المريمات بعد قيامته . ثمَّ تطوَّرت الفكرة وأصبَحَت تُقدَّم خارِج الكنيسة . وبعد ذلك بدأت تظهر عِدَّة تمثيليات عن أهمّ الأحداث الكتابية، مِثل الخليقة والسقوط والميلاد والقيامة . ثم ظَهَرَت نوعية المسرحيات التي تحكي سِيَر القديسين والشهداء . ومع أنها كانت بأسلوب خيالي خارقي، إلا أنَّها كانت خطوة تطوُّر هامة جداً في علاقة الكنيسة بالمسرح . ثم ظَهَرَت المسرحيات الأخلاقية، وهي أرقى أنواع الدراما التي ظَهَرَت في الكنيسة . كلّ ذلك كان يُشكِّل التُّربة الخصْبة التي خرج مِنها شكسبير بأعماله الفنية الخالدة، والتي مِنها انطلقَتْ عَجَلة التطوُّر المسرحي . لقد كانت الكنيسة نقطة بداية انطلاق المسرح العالمي بعد مُعاداته . أمَّا اليوم، فقد تنبَّهت لأهميته ودوره الفعَّال في رسالتها، وفي توصيل الأفكار، وتجسيد القصص الكتابية، وتستثمِر كلّ ذلك لصالح الخدمة الروحية .
المسرح الأسود
لماذا هذه التسمية ؟
لأنَّ المسرح يكون مُظلِماً تماماً، وكلّ شيء فيه يكون أسوداً، مِن ملابس المُمثلين، وجميع ستائر المسرح وقاعة العَرض أيضاً تكون سوداء . بحيث لا يظهَر أيّ شيء سواء مِن وجوه المُمثلين أو أجسادهم، ولا شيء مِن أرضية المسرح وسَقْفه . إلا ما يريد الممثِّل إظهاره . ولا يُسمَح بأيّ مَصدَر ضوء، إلا الأشعة فوق البنفسجية، لأنَّ هذا مِن شأنه كَشْف العمل وإفساد مُتعَة المُشاهَدة .
أما ما يراه المُتفرِّجون فهو ما يظهَر فقط على المسرح في عُمق الظلام، سواء كان ثابتاً أو مُتحرِّكاً، بالألوان الفسفورية فقط . حيث يستقبِل الأشعة فوق البنفسجية مِن مصدر الضوء الخاص ( اللمبة السوداء ) . وهناك مواد مُعيَّنة ذات خاصية فسفورية تتوهَّج توهُّجاً ساطِعاً في الظلام عندما تسقُط عليها تلك الأشعة . والملابس أو الرسومات أو الأشياء، المَطليَّة أو المُغطَّاة بالألوان الفسفورية، سوف تسطَع أمام تلك الأشعة فقط، وليس أي ضوء آخر .
هذا النوع مِن المسرح يُتيح للمُخرِج رؤًى تشكيلية لا يجدها في الأنواع المسرحية الأخرى . فالمسرح الأسود يتفوَّق على المسرح الآدمي، لأنَّه يتَّخِذ بُعداً جمالياً وتعبيرياً مُختلفاً . مثلاً، الكُتلة المُعلَّقة في فراغ المسرح المُظلِم بامتدادها الحركي، تتحوَّل إلى خَطّ، والخَطّ يتحوَّل إلى دائرة . وقد تتبدَّل صِفات ذلك الخَطّ وسُرعة حركته .. الخ . إنَّ هذه المُعطيات وغيرها مِن الإمكانيات، توفِّر للمُخرج المُبدِع إمكانيات فنية وتقنية كبيرة في رَسْم المَشهَد المُراد عَرضه . فهو مسرح جذَّاب للكبار والصغار، لذلك فهو إحدى الحلول المُثلى للتغلُّب على مشكلة قِلَّة العدد في المدارس الأحدية في الكنيسة المحلية . إنَّ مِثل هذه العروض التشويقية، للكبار والصغار، التي تناسب كافة المستويات الثقافية والاجتماعية، تفتح الباب على مصراعيه لجذب عدد كبير . كما أنها تفتح الباب لمشاركة عدد ليس بقليل فيها .
إنَّ المسرح الأسود ليس فَنَّاً سَهلاً أو رخيص التكاليف . والتحضير له والعمل فيه ليس بالأمر الهيِّن . إنَّ مسرحية مُدَّة عرضها 30 دقيقة مثلاً، ربما تحتاج للتحضير والتدريب حوالي 200 ساعة . هذا الفنّ الجميل الصَّعب ليس في متناول الجميع، فنياً أو مالياً، خاصة عندما يقتَصِر عَرضه على الأطفال .
الممثل :
المُمثِّل في المسرح الأسود لا يظهَر أبداً، لكن اختفائه لا يكون خَلْف الكواليس، بَل إنَّه يغرَق في الظُلمة التي تُحيط به مِن كلِّ جانب . مُرتدياً لباسه الأسود، ممَّا يرفع درجة الإحساس بالوَهْم لدى الجمهور، وبالتالي ترتقي مَلَكة تذوُّقهم الفنِّي، ممَّا يحقِّق التأثير المطلوب . فيجب على الممثِّل هنا أنْ :
أ0 يرتدي ملابس سوداء سميكة، بحيث لا تكشِف ملابسه الداخلية الملوَّنة . ويلبس في يديه قفازاً أسود . ويغطِّي قدمَيْه جيداً . كما يغطِّي وجهه بغطاء به فَتَحات تسمَح له بالرؤية والتنفُّس .
ب0 تتميَّز حركته بالدِّقة والتزامُن . دِقة الحركة التي يؤديها، أو حركة الشَّكل الذي يَعرِضه، فتكون حركة انسيابية بدون تشنُّج وبدون تسرُّع، وتكون بزاوية عمودية في مواجهة الجمهور بدون أيّ انحراف . كما يجِب أنْ تكون الحركة مُتزامِنة مع إيقاع الموسيقى أو الكلام المُسجَّل المُذاع، أو مع حركة المُمثل الآخَر .
العَرض :
يعتمد العَرض في المسرح الأسود على بروز الشخص أو الشكل أو الرسم أو الكلمات أمام الإضاءة فوق البنفسجية . لذلك فالمسرح الأسود يخاطِب أساساً عَين المُتفرِّج بلُغة الخُطوط والتشكيلات والإيحاءات والكلمات البارزة . وذلك بالاعتماد على النَّصّ الدقيق، والموسيقى التصويرية المُناسِبة، والمؤثرات الصوتية التي تؤكِّد معاني المُشاهَدة . ويكون العَرض بإحدى هذه الطرق، أو بعضها :
أ0 تشكيلات عن طريق : الانتشار أو الاختفاء أو الظهور أو التدرُّج . فيتحرَّك الشيء في فراغ المسرح بحرية تامة، فيطير وينفصِل ويتصِل ويختفي ويدور ويظهر ثانية .
ب0 شخص يرتدي زيَّاً فسفورياً كاملاً، أو يغطي جزءاً لإظهار جزء آخر من جسمه، كالأرجُل أو الأيدي . حتى أنَّ المُمثل هنا يستطيع أنْ يُظهِر أجزاءً مِن جسمه كأنها منفصلة عنه .
ج0 أنبوب من القماش المحشو بالقطن أو الإسفنج أو القصاقيص، يُثبَّت على جسم المُمثل مُتخذاً شكل الرأس والجزع واليدين والرجلين . ويكون لونه أبيض أو فسفوري .
د0 أشكال مُجسَّمة، لحيوان أو طائر أو كرة أرضية، أو رسومات . وتكون أيضاً باللون الأبيض أو الفسفوري . ويجب مراعاة تناسق الأحجام مع بعضها البعض .
ه0 شخص أو شيء يبدو مُعلَّقاً في الهواء، يقف على مقعد مغطَّى بالأسود، أو مربوطاً بخيط .
و0 عرائس ضَخمة تتحرَّك بواسطة عصيّ مِن الرأس واليدَيْن والرِّجْلَيْن، بأيدي المُمثلين المُختفين في ظلام المسرح . وهذا الأمر يحتاج إلى تدريب كثير، حتى يتمكَّن مُحرِّكو الدُّمية مِن ضبط حركتها وإضفاء الحركة الطبيعية عليها .
ز0 أشياء طويلة مُتحرِّكة، مِثل قطار أو حيَّة .
ح0 طيور تطير في الهواء، برسومات أو بالكفوف البيضاء على شكل حمامة .
ط0 زهور تتفتَّح، أو زَرع ينمو .
ي0 أمطار تتساقَط، أو أحجار تتطايَر .
ك0 تلوين أو تُغطَّية العناصر مِن أَحَد وجهَيْها باللون الفسفوري، بينما تكون الناحية الأخرى سوداء . وفي حالة الاستدارة تختفي هذه العناصر . وبالعكس، عندما تكون الواجهة السوداء ناحية الجمهور، ففي حالة الاستدارة يظهر العنصر فجأة أمامهم .
ل . شمسية تحمل عنوان المسرحية أو الكلمات البارزة أثناء العرض، بحيث تدور في مواجهة اللمبة السوداء .
تركيب المسرح وترتيب القاعة :
أ0 يجب أنْ يكون المسرح عبارة عَن صندوق مُظلِم تماماً مِن كافة جوانبه وزواياه . ويتمّ تركيبه مِن ثماني ستائر :
( 1 ) ستارة أمامية، مِن قطعتَيْن يسهُل فتحهما وغلقهما بحسب الحاجة .
( 2 ) ستارة خلفية مِن قطعة واحد، تغطي الحائط الخلفي للمسرح بكامله .
( 3 ) ستارة لتغطية سقف المسرح بكامله، وإخفاء أي شيء معدني أو لامع .
( 4 ) ستارة على الجانب الأيمن، لدخول وخروج المُمثلين .
( 5 ) ستارة على الجانب الأيسر، لدخول وخروج المُمثلين .
( 6 ) ستارة في الوسط ناحية الخَلف، بارتفاع 2.5 متر تقريباً، لعرض بعض الأشياء مِن فوقها .
( 7 ) ستارة في الوسط مُنخفضة أمام السابقة، بارتفاع 1.5 مِتر تقريباً، لعرض بعض الأشياء مِن فقوها .
( 8 ) ستائر جزئية، لتغطية بعض الأعمال المعروضة، مثل شجرة أو زهرة .
ب0 يجب تغطية كلّ شيء يلمع، سواء داخل المسرح أو جهة السقف، أو في قاعة العرض جِهة المسرح، أو على أجساد المُمثلين . فأيّ شيء أو جُزء موجود على المسرح وليس تابعاً للمشهَد، سوف يعكس ضوءاً، ممَّا يجعَل المُشاهدين يرونَه، فتُفسَد متعة المشاهدة .
ج0 يجِب تغظية كافة أبواب ونوافذ القاعة بإحكام، بالقماش الأسود أو أكياس بلاستيك سوداء . وأيَّة لوحات ولافتات أو حوائط ذات ألوان فاتحة مواجِهة للمسرح .
د0 يمكن وَضْع إشارات فسفورية في أرضية المسرح، وعلى أطراف الستائر الخلفية والجانبية، تبيِّن للمُمثلين الطريق وتدلّهم على التحرُّك الصحيح على المسرح وسط الظلام .
الأشعة فوق البنفسجية :
تتسرَّب هذه الأشعة مِن داخل أنبوب لمبة الفلورسنت إلى خارجها، ولا خوف مِن هذه الأشعة، إلا أنَّ التعرُّض لها مُباشرةً عن قُرب، لفترة زمنية طويلة، يمكن أنْ يسبِّب مُشكلات صحية غير مباشرة . إنَّ هذه الأشعة التي تتولَّد أصلاً داخل أنبوب الفلورسنت تكون حبيسة، لأنَّ بطانة الفسفور الداخلية التي تُبطِّن الأنبوب مِن الداخل تَمتَصّها، إلا أنَّ قَدراً يسيراً قَد يتسرَّب إلى خارج الأنبوب ويبقى حولها . مِن هنا فإنَّ هذه المصابيح التي تتركَّب من أنبوب واحِد تكون أكثر أماناً من تلك التي تتركَّب مِن أكثر مِن أنبوب، كما في بعض لوحات الإعلانات .
يستخدم خُبراء الآثار بالمَتاحِف هذه الأشعة للتحقُّق مِن التُّحَف والقِطَع الأثرية المُقلَّدة، حيث أنَّ مُعظم مواد الطِّلاء الحديثة تحتوي على مكوِّنات فسفورية . كما يستخدمها ضُباط الأمن للتعرُّف على العُملات المُزيَّفة، حيث تقوم هيئات صَكّ الأوراق المالية في مُعظم بلدان العالم بعمل شريط فسفوري رفيع داخل العُملات الورقية، لا يُرى بالعين المُجردة، لكنَّه يلمَع عند تعرُّضه للأشعة فوق البنفسجية . كما يستخدمها خُبراء الطِّبّ الشَّرعي وأجهزة الاستخبارات لتحليل مسارح الجريمة ورَفع بصَمَات الأصابع بواسطة مَسْحها بصَبغة مِن الفسفور .
توضَع اللمبة الفلورسنت السوداء في الأمام، على أرض المسرح أو مُعلَّقة أعلاه . ويجب الحذر مِن أنَّ أي شيء يقَع بين اللمبة السوداء والشيء المُراد إظهاره، سوف ينكشِف ويُفسِد المَشهد . لذلك يجِب الانتباه أثناء التحرُّك على المسرح أو تحريك الأشياء والرسومات عليه أثناء العرض، ألا تأتي أمام بعضها البعض .
خطوات التحضير للمسرح الأسود :
( 1 ) فِكرة العمل : يمكن أنْ تكون قِصة أو فِكرة كتابية . يتقدَّم بها المُخرج أو المؤلِّف أو أحد المُمثلين أو أحد العامة .
( 2 ) كتابة النَّصّ : يُراعى فيه دقَّة الألفاظ وسهولتها، واختصارها قَدر الإمكان .
( 3 ) مُراجعة النَّصّ : قراءته أكثر مِن مرَّة، للتأكُّد مِن بساطته، لا سيما إذا كان العمل فقط للأطفال . وللتأكُّد مِن عدم تكرار الأفكار . هذا هو الوقت الوحيد المناسِب لإجراء أي تعديل، لأنَّه بعد تسجيله وبَدْء التدريب عليه وأثناء العرض، لا يمكن تغيير أي كلمة أو حَذفها أو تبديلها .
( 4 ) تقسيم العمل إلى أجزاء :
[أ] مُقدمة : يُعرَض فيها عنوان العمل، وأسماء فريق العمل والمُخرج . ويمكن استخدام الشمسة . أو كتابة جميع الأسماء على لوحة واحدة من الكرتون أو القماش الأسود أو الفلِّين الأبيض . أو كتابة كلّ اسم على حِدة .
[ب] مَدخَل : عبارة عن مُقدمة مُشوِّقة عَن الفِكرة أو القصة . ويمكن استخدام شخصية ثابتة كمقدِّمة ثابتة لكلّ عمل جديد، مثل شخصية ( ماغو ) .
[ج] فصول : يُقَسَّم النَّص إلى فصول، ويتمّ تسجيل كلّ منها على حِدة . لكلّ فصل مِنها فِكرة مُرتبِطة ومُتسلسِلة مع الفِكرة السابقة والتالية لها . ويمكن أن يتخلَّل النص ترنيمة صغيرة مناسبة للقصة .
[د] خاتمة : تعليق ختامي مُركَّز على فِكرة العمل في جُمَل قصيرة . ويمكن اختيار ترنيمة حماسية مُناسِبة لفِكرة العمل، يتحرَّك معها المُمثلون والأعمال والرسومات التي استخدموها في العرض على إيقاع الموسيقى .
( 5 ) تسجيل الأصوات : صوت راوي أو أكثر & أصوات المُمثلين & الأصوات المُرافِقة للعرض، مِثل : الموسيقى التصويرية، المُؤثرات الصوتية ( ريح، أمطار، حيوانات، صُراخ، ضَحك، فتح باب، جمهور .. الخ ) & الترانيم المرافقة & الترنيمة الختامية . يجب مُراعاة دقَّة خروج الألفاظ أثناء التسجيل، والسَّكتات أثناء الكلام، ونقاوة الصوت . لذلك مِن الأفضل أنْ يقوم بهذا العمل شَخص مُتخصِّص . إنَّ هذه الأصوات لا تكون بالضرورة هي أصوات المُمثلين، بل مَن لديهم إمكانية الصوت الواضِح القادر على التنوُّع، ومخارج الألفاظ الصحيحة، حتى لو لم يكونوا من الممثلين . وعلى المُخرج الاستماع جيداً أكثر مِن مرَّة للتسجيل قبل البَدء في التدريبات .
( 6 ) تحضير الأعمال : أي الملابس والأشكال والرسومات، وكتابة الأسماء والكلمات البارزة . واختبارها جيداً أمام اللمبة السوداء . هذه الخطوة يحتاج فيها المُخرج لمَن لديهم مواهب في الرسم والكتابة والتفصيل والخياطة، الذين يمكن أنْ يكونوا مِن غير المُمثلين أيضاً .
( 7 ) توزيع الأدوار على المُمثلين : يُفضَّل كتابة النص كاملاً مع توزيع الأدوار على كلّ مُمثل، مع بيان الحركة التي سيؤديها، وتوقيتها بالتحديد، ومدّة عرضها بالثواني .
( 8 ) يجتمع الفريق : للاستماع للعمل بعد تسجيله أكثر مِن مرَّة . ويتخيَّل كلّ مُمثل الدور الذي سيؤديه . وعلى المُمثلين أنْ يحفظوا العمل المُسجَّل بكلّ تفاصيله كاملاً . ويمكن استخدام المرآة، ليرى الممثِّل نفسه في الحركة التي يؤديها .
( 9 ) التدريب في الضوء العادي : على تزامُن الحركات مع الأصوات، كلّ مُمثل على حِدَة . ثم على تسلسُل الفصول لضبط سرعة العرض مع التسجيل والموسيقى .
( 10 ) توزيع الأعمال والمُمثلين : ثلاثة مجموعات على اللأماكن الثلاثة في المسرح : [أ] الجانب الأيمن . [ب] الجانب الأيسر . [ج] خلف الستارة الوسطى . ويُحدَّد لكلّ مجموعة منها شخص واحد مِنهم يتابع تسلسُل الأدوار وعرض الأعمال مِن خلال كَشف مكتوب بذلك الترتيب، على ورقة بحَجم كبير، أو مُظلَّلة باللون الفسفوري، حتى يستطيع رؤيتها في الظلام أثناء مُتابعة العرض .
( 11 ) تصوير التدريب : بالفيدو لمشاهدَته مِن قِبَل المخرج والممثلين معاً، حتى يتعرَّف كلّ واحد على ما قام به بشكل جيد، واكتشاف الأخطاء التي وقع فيها، لتفادي الوقوع فيها وفي أمثالها أثناء العرض .
( 12 ) إعداد المسرح : قَبل وقت كافٍ مِن يوم العرض، لتجنُّب أيَّة مفاجآت .
( 13 ) إعداد القاعة : بإظلامها إظلاماً جيداً، قبل العرض بيوم على الأقلّ .
( 14 ) توزيع مسؤوليات أخرى خارج المسرح : مِثل استقبال الضيوف، تخصيص الأماكن الأمامية للأطفال & إطفاء القاعة في الوقت المُحدَّد، وإضاءتها في الوقت المُعيَّن لذلك في نهاية العرض & مُتابعة المُتفرِّجين أثناء العرض لضمان عدم التحرُّك أو التعليق أثناء العرض .
( 15 ) في يوم العرض، يجب أن تتأكَّد من كلّ شيء، لئلا تكون هناك رسومات أو أشغال أو أشكال حدث فيها تغيير نتيجة التدريبات في الأيام السابقة .
( 16 ) مراجعة الأدوار بدون تمثيل قبيل العرض .
( 17 ) التأكُّد من تشغيل اللمبة بالشكل الصحيح، وكذلك أجهزة الصوت .
( 18 ) كلمة افتتاح العرض : يجب أنْ تشمل : فِكرة بسيطة عن المسرح الأسود & فِكرة موجزة عن موضوع العرض أو القصة & أفضل مكان للمُشاهدة المُمتِعة هو في والوسط أو الخَلف، وليس على الأجناب المُتطرِّفة & الطلب مِن المشاهدين : إغلاق الموبايلات، عدم استخدام أيّ ضوء، عدم الدخول والخروج لأيّ سَبب، عدم التعليق أثناء العرض، عدم التدخين .
( 19 ) يجب أن تكون مستعداً لحدوث أي طارئ أثناء العرض، مثل انقطاع الكهرباء أو عُطل في الصوت . حيث يجب أن ينصت الجميع لتوجيهات المخرج .
البانتومايم أو فن التمثيل الإيمائي
ما هو البانتومايم ؟؟؟
......................
يعود أصل كلمة بانتوميم الى اللغة الإغريقية،وهي مشتقة من كلمتين:(Panto) وتعني كل شيء و(Mimeomai) وتعني أقلِّد،ومن مجموع هاتين الكلمتين انبثق مصطلح البانتوميم أو فن التمثيل الإيمائي الذي يعني فن التقليد أو فن المحاكاة لكل ما تحتويه الحياة.إن الفنون كلها-كما هو معلوم- وليدة طموحات الناس لينقلوا ما يحيط بهم من أشياء وظواهر،وهذا الكلام ينطبق على المراحل المبكرة من تطور الفنون ومن المؤكد أنه في تلك المراحل المبكرة بالذات كان يُطلق اسم بانتوميم على المَشاهد الراقصة الصامتة والحركات والأفعال والإيماءات التي كانت كلها تجسِّد الحياة الروحية لتلك الشعوب القديمة عندما تريد أن تعبِّر عن سعادتها بعد انتصارها في المعركة،أو عودتها من صيد وفير،أو احتفالها بزفاف أو قيامها بالطقوس الدينية.وفي وقت متأخر عندما تطور العقل البشري والحسِّ الجمالي،وأخذ فنانو البانتوميم يراقبون ويجسدون السلوك المميز لفئات من الناس من تجار وجنود وفلاحين ورهبان..الخ..عندئذ تجاوز هذا الفن المفهوم البدائي لهذه الكلمة ووصل الى درجة أرقى،واكتسبت كلمة بانتوميم مفهوماً فكرياً جديداً. ولكن أهم تطور حدث في المفهوم الفكري لفن البانتوميم هو ما جرى في القرن العشرين،حيث توفرت للفنان مواد جديدة جعلته أكثر تفاعلاً وإبداعاً وتحليلاً ودراسة،وبالتالي أغنتْ تجربته وأثَّرتْ على إبداعه في تجسيد الشخصية التي يمثلها.
مراحل تطوره:
لقد مرَّ فن البانتوميم خلال تطوره التاريخي بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى هي مرحلة التقليد،والثانية هي مرحلة التعميم،والثالثة هي المرحلة المنهجية التي لها مدارسها ومذاهبها...وفي الحقيقة،أن هذا التقسيم التاريخي الى مراحل إنما هو إجراء شرطي لا يمكن أن يحدث خارج إطار القواعد العامة التي يخضع لها كل فن،وسيساعدنا هذا التقسيم على فهم أن البانتوميم ليس كفنٍّ جامد (مُقولَب) وصل إلينا عبر القرون،بل كفنٍّ نستطيع أن ندرك حركته الداخلية من خلال تطوره،ومن خلال الإضافات الجديدة التي طرأت على المفاهيم القديمة في الشكل والمضمون.
إن كل فن يعتبر مستقلاً بذاته عندما تتوفر له وسيلته التعبيرية الخاصة به،فالدراما مثلاً وسيلتها الكلمة،والأوبرا وسيلتها الغناء،والباليه وسيلته الرقص والألحان،والرسم وسيلته الخطوط والألوان،والموسيقى وسيلتها الأنغام،فما هي خصائص الوسائل التعبيرية لفن البانتوميم؟وما الذي جعلنا نُعدِّه فناً مستقلاً؟
وما هو فن البانتومايم؟
هذا التعريف صحيح،ولكنه ليس كاملاً،إذ أننا عندما نوافق على أن الحركة والإشارة هما وسيلتان تعبيريتان أساسيتان في فن البانتوميم فإننا ندرك أن هاتين الوسيلتين تدخلان أيضاً في إطار فنون أخرى مثل فنّ الباليه وفنّ الدراما.
فن الدراما:
إن البانتوميم يقترب من فنِّ الدراما بدلائل أخرى مثل خضوع كل منهما لقوانين فنِّ التمثيل من ناحيةِ منهج بناء الشخصية والتأثير على مشاعر وعواطف المشاهدين.
أطلق الإغريق اسم "البانتوميم" على ذلك النوع من العروض الفنية التي تتم فقط عن طريق الأفعال الجسدية والإشارات والإيماءات التي يقوم بها الممثلون ويعبرون بها عن شخصية الأبطال مجسدين بها فكرة المؤلف،وأما اليوم فما يضيفه الباحثون المعاصرون هو أنه علينا أن نفهم ذلك الفعل الصامت الذي يتجسَّد عن طريق الحركات الرشيقة والذي كان أساساً للفن الدرامي.
إن الصمت أيضاً يدخل ضمن فنّ الباليه،كما أن الإشارة والحركة هما وسيلتان تعبيريتان أساسيتان في فن الباليه،ولكن الاختلاف بين فن الباليه والبانتوميم هو أنَّ تصميم الرقص لكل عرض من عروض الباليه يدخل في إطار تأليف موسيقي محدَّد،فالباليه لا يمكن أنْ يوجد خارج الإطار الموسيقي وبلا حركات انسيابية تنسجم مع الموسيقى،أما في فن البانتوميم فغالباً ما تغيب الموسيقى عن العرض،وإنْ استُخدمت فلها دور المساعد.
كما أنَّ لكلٍّ من فن البانتوميم وفن الباليه خصائصه ولغته وأسلوبه،وكثيراً ما يظهر التباين في أسلوب كل منهما،وعلى الرغم من أنَّ لكلٍّ منهما خصائصه إلاّ أنَّ كليهما يجسِّدان الحركة المستمدة من الحياة الواقعية.
يدخل فن البانتوميم ضمن عروض الباليه والعروض الدرامية،ويقوم فيهما بدور المساعد، ففي عروض الباليه يساعد على فهم الموضوع وتطوره،وعلى ربط مَشاهد الرقص والتأكيد على القيم الفكرية،أمَّا في العروض الدرامية،حيث تفهم أحداث الموضوع من خلال الحوار،فانه يساهم في التعبير عن مشاعر الأبطال وحالاتهم النفسية مجسِّداً ذلك في شخصية حية.
إنَّ هذه المقارنة لا تعني تقسيماً شكلياً لتلك الفنون،بل لتوضيح حدودها،لأنه عندما يدخل فن من الفنون في دائرة فن آخر فمن الطبيعي أنْ تتقلَّص قدرته الإبداعية،وهكذا نرى أنَّ فنَّ البانتوميم هو فنٌّ قائم بذاته، أمَّا عندما يستخدم في عروض فنية أخرى فانه يقوم بدور المساعد.
الرمزية الشرطية:
ومن خصائص فن البانتوميم "الشخصية" التي تتجسَّد عن طريق الرمزية الشرطية،فممثلو فن البانتوميم يقومون بأدوارهم دون أن ينطقوا بكلمة واحدة..إن لغتهم هي الإشارات والحركات ورشاقة الجسد وليونته..كل شيء على خشبة المسرح شرطيٌّ عدا الممثلين الحقيقيين،وعلى الرغم من ذلك فان المشاهدين ينجذبون لتلك الحركات الصامتة ويتابعون أفعال الشخصيات باهتمام شديد ويشعرون بسعادة خاصة وذلك بفضل الحركات الدقيقة للحياة المتخيلة والتي يحولها المُشاهد الى واقع ملموس بمشاركته وتفاعله مع العروض.هذا وإن أهمية فن البانتوميم تكمن في المواقف التي تتطور في ظروف شرطية واستخدام وسائل تعبيرية شرطية،وهكذا يستطيع أن يخترق الزمان والمكان بحرية دون حدود،وهذه الخاصية لفن البانتوميم إنما تؤكد ثقته الكبرى بالخيال الإبداعي لجمهور المشاهدين..وثمة تفاهم مسبق بين خشبة المسرح وصالة المتفرجين حول قوانين وشروط اللعبة في هذا النوع من فن التمثيل الإيمائي،فهناك عملية إبداعية مشتركة تتم بين الطرفين،وهذه العملية الإبداعية المشتركة إنما هي احد الأسباب التي تجعل تأثيره قوياً على الجمهور.
إذا ألقينا نظرة على تاريخ فن البانتوميم نرى أنَّ هذا الفنَّ كان فنَّاً شعبياً ومزدهراً،يلعب دوراً هاماً في الألعاب والرقص والاحتفالات الشعبية،فهو فنٌّ مفهوم من قبل جميع الأفراد دون النظر الى مستواهم الثقافي أو التعليمي أو الانتماء السياسي.
ومهما كان مستوى المتفرج في فن البانتوميم،حتى وإن كان متفرجاً عادياً جاء ليشاهد العرض بغية التسلية فقط،فانه سيخرج بأفكار ومشاعر جديدة أغنِيتْ بالمعارف عن حياة النفس البشرية.
وأخيراً فإن فن البانتوميم هو تصوير خيالي يستطيع بخصائصه التعبيرية عن الحياة أن يوقِظ اللَّذة الجمالية لدى المُشاهد ويحرِّضه على التفكير العميق.
.............................................................................................
فن البانتومايم
فن البانتومايم........!!!!!!!!!!!
حينما تعجز لغة الكلام عن توصيل معنى معين او مفردة غير متداولة حينذاك تبرز لنا لغة جديدة ذات مساحة واسعة جدا تصل الى حد توحيد لغات العالم كما هي الموسيقى واللوحة التشكيلية.. انها لغة الجسد او فن البانتومايم (pantomime) وتمتد جذور مسرح البانتومايم عميقا في التاريخ ففي العصر الروماني كان لفظ ال«بانتومايم» يطلق على الممثل المسرحي الذي يقوم بتمثيل قصة اسطورية عن طريق الحركات والايماءات الجسدية فقط دون اللجوء الى الكلام او الحوار التقليدي، ويعد الراقص الاسطوري اليوناني «تليست» هو اول ممثل لفن البانتومايم حيث عمل مع الكاتب المسرحي اشحيليوس في مسرحية «سبعة ضد طيبة» ولا يمكن اغفال الدور المهم للمثل الكبير «لوسيان سوماستا» للمدة من «۱۲۵-۱۹۰م» وبالرغم من العمق التاريخي لهذا الفن الا ان مساحة تطبيقه في العالم كانت ضيقة اذا ما قيست بالمسرح التقليدي او الفنون الاخرى، وتبقى الفرق الفرنسية واليابانية والصينية هي الابرز في هذا المجال ويبقى الممثل الفرنسي الكبير «مارسيل مارسو» هو الابرز والافضل في هذا الاختصاص الصعب لكونه يمتلك قدرة بدنية وجسدية عالية جدا ويمتلك مطاطية بلاستيكية لافتة كأن جسده خاليا من العظام تماما، هذا بالاضافة الا ما يمتلكه من خيال خصب يعينه كثيرا على رسم الاحداث واستطاع هذا الممثل الكبير ان يعطي الكثير لفن «البانتومايم» وخرج من مدرسته مجموعة رائعة من الممثلين البارزين ولعل اشهرهم الممثل «آميل» الذي تخصص في تمثيل اللوحات المسرحية المستقلة او المشاهد المسرحية القصيرة فمثل حركة الشمبازي وحركة الضفدعة بارجلها الطويلة وحركة الافعى المتمايلة وحركات بعض الطيور التي تمتلك مرونة جسدية.
اما في العراق فظلت تجربة «البانتومايم» محصورة جدا ولا تتعدى بعض المحاولات الفردية الجادة ففي فترة السبعينات استطاع الفنان جاسم العبودي ان يطور ويوسع قليلا من دائرة هذا الفن الا ان المحاولات ظلت خجولة في هذا الفن وبرزت بعض الطاقات المتميزة ولعل اهمها هو الفنان الراحل محسن الشيخ الذي برز في نهاية الثمانينات حيث كان يمتلك قدرات جيدة في هذا المجال واستطاع ان يقدم العديد من الاعمال التلفزيونية «التعليمية» والمسرحية ومن اهم هذه الاعمال مسرحية «محاولة القبض على الصدفة» مع الفنانة سهير أياد التي كانت سعيدة جدا للعمل مع الشيخ لمعرفتها المسبقة بامكانياته الاخراجية فقد كان مراقبا دقيقا لنحت الجسد وتعبيرات الوجه وله فهم وادراك وحس عميق، وخلال هذه الفترة كانت تبرز بعض الاسماء الشابة ولكن على صعيد ضيق، وفي نهاية السبعينات برزت بشكل كبير مجموعة الفنان التشكيلي والمسرحي عماد نافع الذي استطاع ان يترك بصمة جيدة في الحركتين التشكيلية والمسرحية بعد عرضه لتجربة «الفضاء السابع» التي تنتمي لل«مستشكيل» استطاع نافع ان يحرر شخوص لوحاته التشكيلية التي تحولت الى ابطال مسرحية درامية تؤدي مشاهد مسرحيته مكملة الى فكرة اللوحة الزيتية الام هذه التجربة اعتبرت الاولى على الصعيد العربي والعالمي هذا ما اكده خبراء التشكيل والمسرح ولعل من اهم الاراء التي قيلت في هذه التجربة كانت للفنان والناقد العالمي «عز الدين نجيب» الذي قال: ابهرتني هذه التجربة الابداعية المدهشة للفنان الرائع عماد نافع وهي تنقلني عبر فضاءاتها العشر «وان اتخذت عنوان الفضاء السابع» الى رؤى اسطورية تصب في صميم الملحمة الانسانية والصراع الابدي بين الخير والشر، والاضافة الخلاقة هي ادخال اللوحة التشكيلية كبطل مسرحي يتكامل مع الابطال البشر بلغة الجسد، انها حالة من التحرر من كافة القيود، وامتلاك الحلم لتغيير الواقع وفهم فريق نافع مجموعة مهمة من المبدعين الشباب وفي المقدمة منهم الفنان حازم الحربي الذي استطاع ان يجسد دور الشر بشكل لافت مع زميله الفنان احمد عبد الجبار بالاضافة الى لمسات التشكيليتين الشقيقتين زينب واسماء بكر والمبدعون مسار عباس واياد نافع وربيع الشطري وايناس ويحسب للفنان عماد نافع تواصله الحقيقي في هذا المجال اذا استطاع ان ينظم ورشتين عمل مسرحي لفن البانتومايم ضمت الورشة الاولى «۶۰» شابا ومن الجنسين واغلبهم جاؤوا من خارج الوسط الفني واستطاعوا بعد تخرجهم من الورشة ان يكونوا مشاريع فنية واعدة.
واستطاع الفنان طلعت السماوي ان يحقق له حضورا طيبا في مجال البانتومايم على صعيد التأليف والاخراج والتمثيل ولعل عمله «يعد الطوفان ۲۰۰۳» الذي عرض نهاية «۲۰۰۴» على قاعة المسرح الوطني خير شاهد على ما نقول اذا استطاع ان يوظف الصليب كاشارة للمقابر الجماعية التي طالت جميع شرائح المجتمع العراقي دون استثناء.. وتبقى هذه المحاولات رغم قلتها تشكل بداية انطلاقة حقيقية سيكون لها شأن مؤثر في الحركة المسرحية العالمية في المستقبل القريب.
مفهوم الإخراج المسرحي
الإخراج المسرحي
--------------------------------------------------------------------------------
ارتبط الإخراج المسرحي في بداية الأمر بالمؤلف المسرحي الذي كان يبدع النص ويرفقه بمجموعة من الإرشادات والنصائح والتوجيهات الإخراجية التي توجه الممثلين وتقدم لهم مجموعة من الملاحظات التي قد تنفعهم في التشخيص والأداء والنطق والتحرك فوق الخشبة، وهذا الأمر كان سائدا في المسرح اليوناني والمسرح الروماني والمسارح الغربية وخاصة مسرح شكسبير الذي طعم بالكثير من هذه التوجيهات الإخراجية. وبعد ذلك، انتقلت مهمة الإخراج إلى أبرز عضو في الفريق وأحسن ممثل له تأثير كبير في إدارة الفرقة وتسييرها.
ومع امتداد القرن العشرين، سيكون المخرج ممثلا فنانا ومعلما مدربا ومديرا إداريا يتولى الإشراف على المسرح الذي يشتغل فيه مؤطرا للممثلين وباحثا عن أحدث التجارب المسرحية نظريا وتطبيقيا.
ولم يظهر المخرج المسرحي إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وسيقترن اسمه بالريجيسور Régisseur ، مع العلم أن مصطلح الإخراج كان متداولا منذ العشرينيات من هذا القرن. أما أول مخرج في تاريخ المسرح الغربي فكان الدوق جورج الثاني حاكم مقاطعة ساكس ميننجن منذ أن قدم أول عمله الإخراجي سنة 1874م، فحاول بذلك تطوير المسرح الحديث على أسس إخراجية جديدة. إذا، ماهي أهم المدارس الفنية التي تبناها الإخراج المسرحي الغربي في مسيرته الإبداعية ؟ وماهي أهم المناهج الفنية والتقنية التي اعتمد عليها هذا الإخراج المسرحي؟
أ- الاتجاه الواقعي في الإخراج المسرحي:
1- ساكس ميننجن ودقة الواقعية التاريخية:
يعد ساكس ميننجن أول مخرج في تاريخ المسرح الغربي، وقد ساهم في إنتاج الصورة المسرحية التشكيلية ذات البعد الجمالي التي تشمل كل عمليات العرض المسرحي. وقد ثار ميننجن على مقومات المسرح التقليدي والنظم البالية وفكرة النجومية، واستبدلها بالأسلوب الجماعي في العمل وتنويع المستويات فوق الخشبة تفاديا للرتابة التي تطرحها الخشبة ذات المستوى الواحد. وطبق كذلك نظام الصرامة والانضباط في تدريب الممثلين وتوجيه أعضاء فرقته. وبالتالي، أوجد نظام الممثل البديل وحركة المجاميع التي تقوم على ممثل بارز يقوم بتأطير مجموعة من أتباعه، وكان لساكس ميننجن تأثير كبير على الكثير من المخرجين الغربيين وخاصة الروسي ستانسلافسكي، والألماني راينهاردت، والبريطاني إرفنج.
ويمتاز ماكس ميننجن بالدقة التاريخية والأصالة الواقعية في التعبير المسرحي، ولاسيما في مسرحيته التاريخية” يوليوس قيصر” التي حاكى فيها القالب التاريخي الروماني على مستوى السينوغرافيا والديكور والإكسسوارات.
ب- الاتجاه الطبيعي في الإخراج المسرحي:
2- أندريه أنطوان بين الطبيعية ونظرية الجدار الرابع:
يمتاز أندريه أنطوان( 1858-1943) صاحب المسرح الحر بالواقعية الفوتوغرافية في المسرح الحديث متأثرا في ذلك بالمذهب الطبيعي لدى إميل زولا . إذ كان ينقل أندريه أنطوان تفاصيل الحياة الواقعية الطبيعية إلى خشبة المسرح بشكل حرفي ( مسرح طبق الأصل)، وهو كذلك صاحب نظرية الجدار الرابع التي تنص على احترام علاقة الممثل بالمتفرج من أجل خلق مسرح الإيهام.
ج- الواقعية السيكولوجية:
3- قنسطنطين ستانسلافسكي والواقعية الداخلية في التمثيل:
اعتمد قنسطنطين ستانسلافسكي المخرج الروسي الكبير في تدريبه على الجوانب النظرية والجوانب التطبيقية، وكان يوفق في منهجه بين المقاربة الواقعية والمنزع السيكولوجي. و كان ستانسلافسكي يستهل دروسه اليومية بكتابة الأهداف والنظريات والتوجيهات عند مداخل أبواب مسرحه الذي يقع في وسط موسكو لتكون بمثابة مداخل أساسية وأهداف إجرائية للتدريب والتمثيل.
وكان ستناسلافسكي يحث ممثليه على الصدق والإيمان والتفاعل مع الدور ومعايشته عن قرب والاندماج في الشخصية ونقل الحياة الواقعية إلى الخشبة وفهم الشخصية فهما دلاليا ونفسيا.
وقد اعتمد ستانسلافسكي على مسرحيات تشيكوف وإبسن ودويستفسكي في التمثيل و التدريب. وكانت المسرحية تقرأ على الممثلين قراءة حرفية ثم تشرح لغويا ودلاليا، وبعد ذلك تحدد مقاصدها السياقية المباشرة وغير المباشرة.
وبعد الانتهاء من عملية القراءة، تقسم المسرحية إلى أهداف عامة وخاصة وجزئية بطريقة سلوكية تعتمد على الأهداف الإجرائية. وينطلق الممثلون في قراءة أدوارهم المسرحية ودراستها وتقسيمها إلى أفكار وأهداف أدائية قصد فهم الفكرة العامة. وتأتي فرصة التدريب على الدور من خلال الإسقاط النفسي الطبيعي والاعتماد على الذاكرة الانفعالية الطبيعية واستحضار التجربة الشخصية عبر المشابهة واستقطار الذاكرة وتهييج الانفعالات مع الابتعاد على التوتر النفسي وتعويضه بالتركيز والانتباه.
هذا، ويستعين المخرج في تدريبه بأسلوب الافتراضات والاحتمالات الشرطية أو السلوكية معتمدا على طريقتي” لو” و” إذا” وذلك لفهم المواقف وتشخيص السياقات الأدائية ومعرفة الدور جيدا والتغلغل في أعماق الشخصية.
ويلتجئ الممثل عند الممارسة إلى الارتخاء العضلي وممارسة مجموعة من الحركات الرياضية والعلوم والفنون المساعدة كالموسيقا والباليه والرقص والترويض النطقي.
وينتقل الممثل من التأمل العقلي لدوره إلى أجرأته ركحيا من خلال الجمع بين الكلمة والحركة والتشخيص الواقعي الحي، ولابد من الارتجال في عملية التمثيل من أجل إتقان الدور ومعايشته.
ويعد ستانسلافسكي أول مخرج أعاد إحياء تقنية الارتجال إلى الخشبة بعد أن استخدمتها الكوميديا دي لارتي الإيطالية في القرن السادس عشر الميلادي.
و كان الممثلون ينتقلون إلى الأماكن التي لها علاقة بالدور المسرحي، أو ينتقلون إلى بعضهم البعض داخل المنازل لمعرفة الظروف الشخصية والنفسية التي يمر منها كل ممثل والتي قد تؤثر سلبا على الدور التمثيلي فوق خشبة الركح من أجل الحفاظ على الانسجام النفسي والاجتماعي بين أعضاء الفرقة.
ومن هنا، فستانسلافسكي يعتمد على السيكولوجيا الداخلية في التدريب والعمل على نقل الواقع بصدق ومعايشة حقيقية.
د- الاتجاه الواقعي الجديد:
1- ماكس راينهارت والانتقاء المنهجي:
يعد المخرج ماكس راينهاردت Max Rienhardat من المخرجين الألمان البارزين الذي انزاحوا عن النمط الواقعي المباشر، وقد تمثل في إخراجه المسرحي خصائص الواقعية الجديدة أو الحرفية الميكانيكية الجديدة. وقد اقترن راينهاردت بالتمثيل وإدارة الممثلين ، وعرف كذلك بأسلوب الاستعراض المسرحي لذلك لقب بسلطان الاستعراض الكبير. وقد جرب رينهاردت عدة أساليب وأشكال مسرحية؛ مما جعل طريقته تعتمد على الانتقاء والتوليف بين المناهج الإخراجية.
2- جاك كوبوه والتمثيل الصامت:
يعد جاك كوپوه Jacques Copeau من أهم المخرجين الفرنسيين الذين نهجوا منهج الاعتدال والتعقل في مجابهة الواقعية التفصيلية. وقد دخل عالم المسرح من باب الصحافة وعتبة النقد الأدبي، وكان إخراجه يعتمد على النطق السليم الواضح والتمثيل الصامت المعبر والاشتغال على الفضاء الفارغ على مستوى الديكور والسينوغرافيا
ضرورة المسرح
ضرورة المسرح
كثيرًا ما أتساءل ما أهمية المسرح بالنسبة للحياة؟ وهل يشكل المسرح ركنًا أساسيا لا* غني للناس عنه؟ وإذا* غاب المسرح هل سترتبك الحياة ويشعر الجمهور أن هناك شيئًا ضروريا قد* غاب عن حياتهم*! ووسط هذه التساؤلات تقفز إلي ذهني مقولة* "أرسطو*" في القرن الخامس قبل الميلاد*: "وُلد الإنسان ولديه ميل* غريزي للمحاكاة*"،* وتومض داخلي فكرة* "إرنست فيشر*" اللامعة في القرن العشرين*: "الفن ضرورة*.. آه لو أعرف لماذا؟*" ويأتي سحر المسرح ليتوج هذه المقولات*.. فللمسرح سحر يتجلي بصورة* غائمة وغامضة،* يلهث الكثيرون للوقوف علي هذا السحر وفك رموزه وطلاسمه*.. ولا شك أن حضور الفعل المسرحي حضورًا آنيا ومباشرًا أمام متفرجين يعيشون سياقا تاريخيا واجتماعيا مشتركا يمثل جانبا مهما في تفسير هذا السحر*.. فهذا الحضور المباشر يميز المسرح عن بقية الفنون كالسينما والفيديو التي يمكن وصفها بالفن* "المُعلب*" الذي تم تقييده داخل علبة بها شريط مكتمل من بدايته إلي نهايته*.. أما المسرح فهو الفن الذي ينبض بالحياة اليومية ويحتفظ دوما بالقدرة علي التجدد والتطور الذي يشترك فنانوه مع المتلقين في التواصل اللحظي بكل ما تحمله اللحظة من أحداث ووقائع وأحاسيس*.
وبسبب* "أرسطو*" و"فيشر*" وسحر المسرح الغامض أقتنع أن المسرح قادر علي البقاء والتميز وأنه لن يكون أبدًا فنًا كفنون* "الفولكلور*" التي انقرض بعضها بالفعل،* وبعضها آخذ في الانقراض*.. ولكن العبء الأكبر يقع علي عاتق المسرحيين حول العالم فعليهم العمل والبحث والاجتهاد والتطوير ليحتفظ المسرح بمكانته التاريخية وليظل مستحقًا للريادة والتميز باعتباره* "أبوالفنون*".. ويبقي قادرًا علي المنافسة وسط طوفان* "الميديا*" المتطورة بسرعة الصاروخ التي وصلت أخيرًا بفضل المنجزات التكنولوجية إلي الشاشات ثلاثية الأبعاد* "3* d*" التي تمنح الصورة المسطحة عمقًا يوحي بالتجسيد وهو ما يعد ثورة وانقلابا في أساليب العرض المختلفة*.. وطبيعي أن يستفيد المسرح في العالم الآخر في أوروبا وآسيا وأمريكا من هذه المنجزات التكنولوجية ويأتون بها إلي خشبات المسارح لاستخدامها في عروض مبهرة ومدهشة تدفع الجمهور لارتياد المسرح للاستمتاع بهذا العالم الجديد الساحر*.
وتبقي كل المنجزات التكنولوجية عنصرًا مساعدًا لجذب الجمهور،* حتي لا يصيبنا الإحباط كمسرحيين مصريين من قلب العالم الثالث،* ينبغي أن ندرك التكنولوجيا علي أهميتها إلا أنها زائدة علي الجوهر الحقيقي للمسرح الذي يحكمه الحضور المباشر وتألق اللحظة التي يحياها الوجدان الجمعي داخل زمان ومكان واحد ومحدد*. ولكن ماذا نفعل حتي يأتي اليوم الذي تعرف فيه خشبات مسارحنا التطوير التقني الحقيقي الذي يجعلنا نلتحق بالعصر الذي يعيشه العالم؟
علينا أن نعمل علي جوهر المسرح من حيث العلاقة بين مبدع* "مرسل*" ومتلق* "مرسل إليه*" في إطار واقع اجتماعي له شروطه وسياقه وأن نلتقط الموضوعات التي تهم المتلقي وتمس وجدانه،* تخاطب عقله وتمتعه في إطار جيد الصنع يشعر معه المتلقي أن هذا المسرح يحترم عقله ويدفعه إلي الأمام*.. وحتي يبقي للمسرح وجوده المهم في حياة الناس يجب أن تنشط كل روافد المسرح المصري لأنه إذا اعتبرنا أن مسرح الدولة بفرقه الثمانية يشكل العمود الفقري للمسرح في مصر فإن هناك روافد أساسية مهمة متنوعة ومتعددة لا* غني عنها لرسم ملامح المشهد المسرحي في مصر*.
وتتنوع هذه الروافد وفقاً* للفلسفة والدور والآليات وقوة هذه الروافد وتألقها يدفع المسرح ويقويه كما أن ضعفها يؤثر بالسلب علي حركة المسرح بشكل عام*..
مسرح الأقاليم يأتي كرافد مهم حيث يتجمع عشاق المسرح في مدن وقري ونجوع مصر ليصنعوا مسرحهم الذي يعبر عنهم ومسرح الأقاليم علي اتساعه وقدرته علي توظيف طاقات المبدعين يشكل حائط صد رئيسيا في مواجهة التطرف والضياع وكابوس البطالة*.. ثم يأتي المسرح المستقل كتيار مسرحي خارج عن المؤسسات المسرحية الرسمية وكتعبير عن الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في التنمية بمختلف أشكالها،* وبقدر حفاظ هذا التيار علي استقلاله وعدم تبعيته بقدر ما يستطيع أن يؤدي دوره الفاعل في الحياة الثقافية والفنية*.. ويظل المسرح الجامعي والمدرس معملاً* أساسيا* "لتفريخ*" المواهب المسرحية ولتأصيل التذوق الفني والاحساس بالجمال لدي جمهور واسع*..
أما المسرح الخاص المتعثر حالياً* والذي تقلصت عروضه بصورة ملحوظة فلابد من دراسة جادة لمشكلاته وأسباب عثرته ليزدهر وتنبض مسارحه* بالحياة مرة أخري*..
إن قوة هذه الروافد وازدهارها
من شأنها أن تعيد الجمهور للمسرح*..
ويعود بالمسرح إلي الحالة التي نتمناها جميعًا
عندما يصبح المسرح* "ضرورة*" في حياة الناس
المسرح الأغريقى
لقد ظهر المسرح لأول مرة في اليونان وذلك في القرن السادس قبل الميلاد، ويعد كتاب أرسطو( فن الشعر) أول كتاب نظري ونقدي لشعرية المسرح وقواعده الكلاسيكية. وقد نشأ المسرح التراجيدي حسب أرسطو من فن الديثرامب الذي يمجد آلهة ديونيزوس بالأناشيد والتاريخ. وحسب الأسطورة يعد ثيسبيس أول ممثل بلور الفن الدرامي متقمصا دورا أساسيا في القصة الديثرامبية وذلك في القرن السادس قبل الميلاد، وكان مرنما كلما أنشد منولوجا ردت عليه الجوقة بما يناسب ذلك. وكانت هذه المحاولة البداية الفعلية للآخرين لتطوير المسرح نحو جنس أدبي مستقل.
ولم تعرف التراجيديا اليونانية أوجها إلا في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ ظهر أكثر من ألف نص تراجيدي، ولم يبق سوى واحد وثلاثين نصا فقط. و قد كتب هذه النصوص الدرامية كل من أسخيلوس وسوفكلوس ويوربيديس.وتتفق هذه التراجيديات في بناء صارم يتمثل في الصياغة الشعرية، وتقسيم المتن إلى فصول، وتناوب الحوار بين الشخصيات( أكثر من ثلاث شخصيات)، والجوقة التي تردد الأناشيد الشعرية، والقصص المأخوذة من الأساطير القديمة أو التاريخ القديم حيث يستوحي منها الشعراء الدراميون بكل حرية أسئلتهم السياسية والفلسفية.
وتقام المسرحيات في أثينا إبان حفلات ديونيسوس: إله الخصب والنماء. وقد اعتاد اليونانيون أن يقيموا للآلهة حفلين: حفل في الشتاء بعد جني العنب وعصر الخمور؛ فتكثر لذلك الأفراح وتعقد حفلات الرقص وتنشد الأغاني ومن هنا نشأت الكوميديات. وفي فصل الربيع، حيث تكون الكروم قد جفت وعبست الطبيعة وتجهمت بأحزانها مما أفرز فن التراجيديا. وكانت تجرى مسابقات مسرحية لاختيار أجود النصوص الدرامية لتمثيلها بهذه المناسبة الديونيسوسية ذات الوظيفتين: الدينية والفنية. و لابد أن تفوز بهذه المسابقة ثلاثة نصوص تمثل وتعرض أمام المشاهدين، ومن شروطها أن تكون هجائية تسخر من الآلهات وتنتقدها.
وشهدت الكوميديا تطورا كبيرا منذ منتصف القرن الخامس قبل الميلاد. ومن أهم الكوميديين نجد أريستوفانوس بمسرحيته الرائعة( الضفادع)، وكانت الكوميديا تنتقد الشخصيات العامة وتسخر من الآلهات بطريقة كاريكاتورية ساخرة. وقد حلت الكوميديا محل التراجيديا في القرن الرابع قبل الميلاد.
وانتشرت الثقافة الهيلينية في أصقاع العالم بفضل غزوات الإسكندر الأكبر، وذاع صيت المسرح اليوناني بكل أنواعه وقضاياه وأبنيته الفنية.
وإذا تأملنا معمارية المسرح اليوناني وجدنا العروض المسرحية تقدم في الهواء الطلق في فضاء مسرحي دائري محاط بمقاعد متدرجة من الأسفل إلى الأعلى على سفح الهضبة في شكل نصف دائرة( المدرج)، ويحضره ما بين 15000و20000 من المشاهدين الذين كانوا يدخلون المسرح مجانا؛ لأن المسرح من أهم المقاطعات العمومية التي كانت تشرف عليها الدولة- المدينة ووسيلة للتوعية والتهذيب الديني والتطهير الأخلاقي.
و يمثل على خشبتها المنبسطة ممثلون يلبسون ثيابا عادية مخصصة لكل دور درامي مناسب، كما كانوا يضعون على وجوههم أقنعة نشخص أدوارا خاصة، وكان الممثلون محترمين ولهم مكانة سامية في المجتمع اليوناني. ويمتزج في النص المعروض:الدراما الحركية والغناء والرقص والشعر؛ مما يقرب العرض من الأوبرا أكثر مما يقربه من المسرح الحديث.
ماذا تعرف عن وليام شكسبير ؟؟؟
حياته ..!!!!
............
ولد الشاعر والكاتب المسرحي وليم شكسبير في نيسان عام ،1564 في مدينة (سترانفورد أون أفون) في إنكلترا، وكان والده تاجرا ناجحاً اسمه جون شكسبير. وقد تلقى تعليما جيدا في المدرسة المحلية حيث تعلم اللاتينية واليونانية، وحصل شكسبير قدرا كبيرا من المعلومات التاريخية، سواء في المدرسة أو في منزله. وفي عام ،1582 تزوج شكسبير آن هاثاوي، وهي إحدى فتيات سترات فورد، وكانت تكبره بثماني سنوات. وقـد أنجبا ثلاثة أطفال، بنتاً سمياها سوزانا، وتوأمين هما هانيت وجوديت.
وفي تلك الفترة، كشف بعض الغموض الذي يكتنف حياته عن طريق قصة مشهورة، وإن لم تكن مؤكدة، مفادها انه نزح إلى لندن هربا، بعدما سرق غزالا من الغابة المتاخمة للقرية.
ومهما يكن الدافع وراء انتقال شكسبير إلى لندن، فانه وصلها في عام ،1587 ولم تكد تمضي سنتان على وصوله (1589) حتى أصبح مالكا لمسرح BLACKFRIARS. إما عن مهنته السابقة، فهي غير معروفة على وجه التأكيد، شأنها في ذلك شأن كل ما يتعلق به. لكن من المحتمل انه كان يعمل في التدريس.
ولم يمض عليه وقت طويل، حتى كان قد كرّس نفسه للمسرح. ولعل أول وظيفة شغلها كانت وظيفة ممثل، ومما لا شك فيه إن التأليف المسرحي في بداية أمره كان خاضعا لمهنة التمثيل الشاقة. ولكن شهرة شكسبير كمؤلف مسرحي في عام ،1592 كانت كافية بعدما ظهرت الطبعة الأولى من احد مؤلفاته (قصيدة فينوس وادونيس).
وفي عام ،1594 أخذت مسرحياته تنشر بانتظام، وكان ذلك هو العام الذي أصبح فيه عضوا بارزا في إحدى الفرق التمثيلية المعروفة باسم فرقة رجال اللورد تشامبرلين. وهي الفرقة التي كتب لها معظم مسرحياته.
وفي عام 1597 بلغ من النجاح حدا مكّنه من شراء منزل ضخم في سترات فورد يعرف بـ"المنزل الجديد". وفي العام التالي أصبح شريكا في ملكية مسرح GLOBE THEATRE لعرض مسرحياته. وفي عام ،1612 استقر في سترات فورد، وامضي السنوات الأخيرة من حياته في محاولات متقطعة للتأليف، إلى أن توفى في عام ،1616 وهو بعد في الثانية والخمسين من عمره... ولم يكن له ذرية أحياء.
لا يمكن وصف الوضع المالي لشكسبير بالثراء الفاحش، أو البؤس. إما كيف أمكن مثل هذا الرجل الذي يبدو طبيعيا للغاية، إن يستكشف عبر مسرحياته كل تلك الجوانب من العواطف الإنسانية، من انفعالات المآسي العميقة، إلى الفكاهة الشعبية في مسرحياته الهزلية، فهو أمر ليس بأقل بعثا للحيرة مما يحيط بشخصيته.
وبقدر ما كانت حياته العامة عادية، كان يدرك كل ما يمكن إن تنطوي عليه أخلاق البشر من سمات. لقد كتب شكسبير ما لا يقل عن 154 قصيدة غنائية. وبعض هذه القصائد الغزلية كتبها إلى "الجمال الأسود"، وهي شخصية قد تكون إحدى غراميات شكسبير من جانبه فحسب. وفي عصر كانت اللغة الانكليزية في أوج ازدهارها، اكتشف فيها شكسبير آفاقا جديدة من الجمال الشعري.
فأسلوب جولييت السلس، والبرود المتعالي في أسلوب الملك لير، يسموان كثيرا فوق مستوى أسلوب الحديث العادي. ومسرحية "العاصفة" تتضمن الكثير من الفقرات الرائعة، بخلاف حديث بروسبير القائل: "إن القباب التي تعلوها السحب، والقصور الفاخرة... والمعابد المهيبة، والكرة الأرضية العظيمة نفسها... اجل وكل ما خلقته، سوف يتلاشى، وهي مثل هذا البهاء الزائف سوف تذبل ولا تترك وراءها أثرا. هكذا خلقنا، كأننا أطياف أحلام، وحياتنا القصيرة يكتنفها الكرى...".
إما شكسبير المؤلف المسرحي، فيكاد يكون كاملا. التلاحم بين شخصياته محدد وواضح، وإحساسه بالزمن والنتائج رائع. وأننا لنجد مشاهد المسرحية تنتقل انتقالا سريعا من قارة إلى أخرى (كما في مسرحية انطونيو وكليوباترا)، دون إن يفقد المشاهدون الإحساس بتتابع الإحداث، أو يبتعدون عن ملاحقتها.
ان عبقرية شكسبير تتجلى في اروع مظاهرها في شخصياته. والأدوار الثانوية، مثل بولينيوس Polinius ومركوشيو Mercutio واينوباربوس Enobarbus وجاك Jacques تبرز شخصيات ظلت تجذب إليها المشاهدين طيلة قرون. إما المهرجون والمغفلون ومنهم بوطوم Bottom، وفالستاف Falstaff اللذان كان في استطاعتهما إن يتكلما بأكثر مما حدد لهما، فقد كانا قادرين على استدرار ضحكات مشاهديهما، بنكاتهما ذات الطابع المختلف.
ولا مغالاة في إن جميع المشاهدين يشعرون بالتأثر العميق لمواقف هاملت، وماكبث وتعطيل ولير، وهم ينغمسون في الكوارث، في ظروف لا يمكن وصفها إلا بأنها "مآس شكسبيرية". ولكن الناحية الأقرب إلى المأساة تكمن في إن ترديهم هذا، كان ناتجا من انحرافات في أخلاقهم نفسها.
إن في شخصيات شكسبير من التعقيد وفي الوقت نفسه من الإقناع، لدرجة إن النقاد لا يترددون في مناقشة دوافعها الحقيقية، كلما كان هناك مجال للنقد الأدبي الجاد.
و نظرا لعبقرية شكسبير ومنجزاته وذيوع صيته فيبدو من الغريب أن أسمه لم يصنف مع المائة الأوائل وهذا ليس استهانة بمنجزاته ولكن نظرا لان الشخصيات الأدبية والفنية على العموم لا تملك تأثيراً كبيراً على التاريخ البشري.
فنشاط الزعماء الدينيين والعلماء السياسيين والمكتشفين والفلاسفة أو المخترعين غالبا ما تؤثر في تطورات الحياة البشرية في مختلف المجالات.
فالتقدم العلمي مثلا كان له تأثيره الواضح على المشاكل السياسية والاقتصادية وقد أثر أيضا على المعتقدات الدينية والمواقف الفلسفية وتطور الفنون.
ولكن يبدو أن شكسبير هو المبرز بين الشخصيات الأدبية دون منازع فقليل من الناس في هذه الأيام يقرؤون شوسر وفرجيل وحتى هوميروس ولكن في أي حفلة مسرحية لإحدى روايات شكسبير يحضرها الكثيرون وغالبا ما يقتبس من أقوال شكسبير من قبل أشخاص لم يقرؤوا أو يروا مسرحياته.
فمسرحياته قد سببت السرور والمتعة لكثير من القراء والمشاهدين خلال أربعة قرون تقريباً ومن المنتظر أن تظل أعماله مألوفة من قبل الناس لعدة قرون نائية.
ومع أن شكسبير قد كتب باللغة الإنكليزية إلا أنه كان شخصية معروفة عالمياً وقد ترجمت معظم أعماله بشكل واسع وقرئت مسرحياته ومثلت في عدد كبير من الأقطار.
............................................................................................................................
أهم أعماله !!
.............
هاملت 1600-1601 م.
تراجيديا هاملت Hamlet واحدة من أهم مسرحيات شكسبير . كتبت في عام 1600 أو 1602 وهي من أكثر المسرحيات تمثيلاً وانتاجاً وطباعة فهي من كلاسيكيات الأدب العالمي ، وربما ترجع شهرتها إلى العبارة الشهيرة والسؤال الذي يناجي فيه هاملت نفسه قائلاً : أكون أو لا أكون .
ترجمت المسرحية إلى جميع لغات العالم وهناك ترجمات عديدة باللغة العربية.
عطيل 1604-1605 م.
عطيل مسرحية تراجيدية لـ وليم شكسبير . تتكون من 5 فصول . تدور أحداثها في البندقية و قبرص .
نقلها إلى العربية عن اللغة الفرنسية خليل مطران (1869 ـ 1949) وبعد ذلك ترجمها جبرا إبراهيم جبرا عن اللغة الإنكليزية، ويرى جبرا إبراهيم جبرا أنّ اسم عطيل موجود باللغة الإيطالية وتعني الحذر، وليس هو تحريفاً لاسم عربي كما ظن خليل مطران. ولكن هل كان عطيل حذراً بالفعل؟ أم وقع في حفرة حفرت لـه.تجري معظم أحداث المأساة في مدينة البندقية، مثلها مثل كوميديا "تاجر البندقية" (1600)، ولكن قسماً آخر من أحداثها، يجري في قبرص، موضوعها الأساس هو الغيرة القاتلة، غيرة زوج مخدوع على زوجته البريئة الشريفة، وغيرة صديق من صديقه.
الملك لير 1605-1606 م.
الملك لير واحدة من اهم مسرحيات شكسبير وتحكى عن ملك عاش شبابه فارس من أقوى الفرسان وعندما تقدم به السن قرر تقسيم ملكه بين بناته الثلاث (جنريل)و(ريجان)و(كردليا)ثم طلب من بناته الثلاث ان يعبرن عن حبهن له.لم تتملق ابته الثالثة في مدحه كما فعلت الاخوات الكبريات فلذلك غضب عليها لير ظنا منه انها لا تحبه لذلك طردها من مملكته بلا شي و لكن تزوجها ملك فرنسا بقوله انها لا تطمع بشي من المال لذلك هي من سوف يتزوجها.
ماكبث 1605-1606 م.
ماكبث أو مكبث (الانكليزية Macbeth) أحد أشهر روايات الكاتب الانكليزي وليم شكسبير الرواية قائمة على دراما لمأساة مكبث مغتصب عرش اسكتلندا (1040-1075) بعد اغتياله دونكان الأول قتله مالكوم الثالث ابن دونكان .
تاجر البندقية 1596-1597 م.
تاجر البندقية (انكليزي: The Merchant of Venice) هي إحدى المسرحيات الأشهر للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير، و قد حظيت بدراسة مستمرة من النقاد العالميين، و معاداة من قبل التوجه الرسمي لليهود بسبب شخصية شايلوك اليهودي التاجر المرابي فيها.
تقوم عقدة هذه المسرحية حول تاجر شاب من إيطاليا يدعى أنطونيو، ينتظر مراكبه لتأتي إليه بمال، لكنه يحتاج للمال من أجل صديقه بسانيو الذي يحبه كثيراً لأن بسانيو يريد أن يتزوج من بورشيا بنت دوق (بالمونت)الذكيه، فيضطر للإقتراض من التاجر المرابي شايلوك الذي يشترط عليه أخذ رطل من لحمه إذا تأخر عن سداد الدين.
بورشيا كانت قد رأت بسانيو الذي زار أباها عندما كان حيا ويتأخر أنطونيو فيطالب شايلوك برطل من اللحم، و يجره إلى المحكمة، و يكاد ينجح في قطع رطل من لحمه لولا مرافعة بورشيا التي تنكرت في شكل محامٍ..
روميو وجولييت 1594-1595م.
روميو وجوليت Romeo and Juliet ، من أعظم وأشهر أعمال الكاتب الانجليزي وليام شكسبير وتعتبر من الكلاسيكيات العالمية التي مثلت كثيراً في مسرحيات وأفلام قديماً وحديثاً وظهرت مترجمة في الكثير من لغات العالم ، حتى اصبحت أي شخص عاطفي كثير العلاقات العاطفية يشار إليه بأسم روميو وكذلك الحال بالنسبة لجولييت. كما أن مشاهد روميو وجولييت ألهمت الكثير من الرسامين لرسم مشاهد المسرحية ، ونتج عن ذلك تراث من اللوحات العالمية الشهيرة.تدور أحداث القصة في مدينة فيرونا الإيطالية ، حيث الثأر القديم بين عائلتي الكابيوليت ومونتاجيو ، ويبدأ المشهد الأول بمعركة في الشارع بين العائلتين بدأها الخدم وانتهت بتدخل أمير فيرونا إسكالوس عندما أعلن أن مسؤولية استتباب الأمن بين العائلتين مسؤولية كبار العائلتين.
.................................................................................................................
من أهم أقــــواله..!!!!!
......................
- أيها النوم أنك تقتل يقظتنا..
- هناك ثمة وقت في حياة الإنسان إذا انتفع به نال فوزاً ومجداً، وإذا لم ينتهز الفرصة أصبحت حياته عديمة الفائدة وبائسة..
- إن الآثام التي يأتي بها الإنسان في حياته، غالباً ما تذكر بعد وفاته، ولكن أعماله الحميدة تدفن كما يدفن جسده وتنسى..
- إن المرء الذي يموت قبل عشرين عاماً من اجله، إنما يختصر مدة خوفه من الموت بنفس العدد من السنين..
- إن أي مركز مرموق كمقام ملك ليس إثماً بحد ذاته، إنما يغدو إثماً حين يقوم الشخص الذي يناط به ويحتله بسوء استعمال السلطة من غير مبالاة بحقوق وشعور الآخرين..
- الرجال الأخيار يجب ألا يصاحبوا ألا أمثالهم..
- هناك ثمة أوقات هامة في حياة سائر الرجال حيث يقرر أولئك مستقبلهم أما بالنجاح أو بالفشل.. وليس من حقنا أن نلوم نجومنا أو مقامنا الحقير، بل يجب أن نلوم أنفسنا بالذات ..
- نكران الجميل أشد وقعاً من سيف القادر..
- الدنيا مسرح كبير، وان كل الرجال والنساء ما هم إلا لاعبون على هذا المسرح..
- لا تطلب الفتاة من الدنيا إلا زوجاً.. فإذا جاء طلبت منهُ كل شيء..
- إن المرأة العظيمة تُلهم الرجل العظيم.. أما المرأة الذكية فتثير اهتمامه بينما نجد إن المرأة الجميلة لا تحرك في الرجل أكثر من مجرد الشعور بالإعجاب.. ولكن المرأة العطوف.. المرأة الحنون.. وحدها التي تفوز بالرجل العظيم في النهاية..
- إذا أحببتها فلن تستطيع أن تراها.. لماذا؟ لأن الحب أعمى..
- يمكننا عمل الكثير بالحق لكن بالحب أكثر..
- لكن الحب أعمى والمحبون لا يستطيعون أن يروا الحماقات الصارخة التي يرتكبونها هم أنفسهم..
- إن المرأة العظيمة تُلهمُ الرجل العظيم، أما المرأة الذكية فتثير اهتمامهُ.. بينما نجد إن المرأة الجميلة لا تحرك في الرجل أكثر من مجرد الشعور بالإعجاب، ولكن المرأة العطوف.. المرأة الحنون.. وحدها التي تفوز بالرجل العظيم في النهاية..
- الرحمة جوهر القانون، ولا يستخدم القانون بقسوة إلا للطغاة..
- يموت الجبناء مرات عديدة قبل أن يأتي أجلهم، أما الشجعان فيذوقون الموت مرة واحدة..
- أن الحزن الصامت يهمس في القلب حتى يحطمه..
- أننا نعلّم الآخرين دروساً في سفك الدماء.. فإذا ما حفظوا الدرس قاموا بالتجربة علينا..
- على المرء أن ينتظر حلول المساء ليعرف كم كان نهاره عظيماً..
- إن الغيرة وحش ذو عيون خضراء..
- الذئب ما كان ليكون ذئباً لو لم تكن الخرافُ خرافا..
.......................................................................................................
الاثنين، 10 أكتوبر 2011
المسرح الواقعي
المسرح الواقعي
بعد أن ضعفت ريح المذهب الرومانسي في فرنسا ، وفي كثير من أمم أوروبا وأمريكا ، عندها اشتاق الناس إلى أن يحدثهم الأدباء عن حياتهم الواقعية ، وبالفعل أخذ القصاصون العظماء أمثال ستندال ( 1783 - 1842 ) وبلزاك ( 1799 - 1850 ) وفلوبير ( 1821 - 1880 ) في فرنسا ، ودي فو ( 1660 - 1731 ) وفيلدنج (1707 - 1754 ) في إنجلترا ، يكتبون القصص الواقعية الممتعة التي ينتزعونها من الحياة الواقعية الصميمة ، وكانت أوروبا كلها في ذلك الوقت تقبل على قصص هؤلاء الكتاب العظماء وقصص إضرابهم وتلتهمها التهاما .
نود أن نبين أن هناك فرق بين المذهب الواقعي والمذهب الطبيعي ، ومن مجرد النظر إلى اسم كل منهما نستنبط الفرق بين المذهبين ..... فالشيء الطبيعي هو الشيء الذي يكون منسوبا إلى الطبيعة ... الطبيعة كما خلقها الله ، تلك الطبيعة التي لم تتأثر بالعوامل الخارجية الطارئة التي صنعها الإنسان في الغالب بما يتواضع علية من تقاليد وآداب ، وما يسنه من شرائع وقوانين ، وما يبتدعه من أصول الذوق العام ، أم عن الشيء الواقعي فهو الشيء الذي تحول إليه الشيء الطبيعي بعد أن تأثر بتلك العوامل الخارجية الطارئة ، والعوامل التي صنعها المجتمع بما تواضع عليه من تقاليد وآداب ، وما سنه من قوانين وشرائع .
قبل أن نبدأ في موضوعنا هذا يجب أن ننبه إلى أنه ما من إنسان في هذا الوجود إلا وفيه قدر من الطبيعة وقدر من الواقعية ... بل ليس ثمة أي مجتمع من المجتمعات إلا وفيه من هذا وذاك .... إلا أنه إذا طغت علية سمات المذهب الطبيعي قلنا عنه أنه مجتمع طبيعي .... فإذا غلبت عليه سمات المذهب الواقعي سمياه مجتمعا واقعيا .....
ترى ما الفرق بين الصورة والكلمة وبين الكائن الحي في التعبير عن الحقيقة ؟... لماذا يشعر الجمهور نفسه ، الجالس في صالة المسرح بهذا الفرق ، ولماذا يرفض الجمهور السماح للمثل بأن يكشف عما يسمح لملتن ورابلية بالإنابة عنه ؟... ثم كيف يمكن أن يكون ثمة ضل من الشك في أن الممثل لا ينبغي أن يسمح له بالحرية نفسها التي يسمح بها للكاتب أو للمصور ؛ بل هو في الواقع لا يسمح له بهذه الإجازة ؟
يعتبر المذهب الواقعي وسيلة وضيعة من وسائل التعبير ، خلعوها على العين عميت أبصارهم ، فتسمعهم ينقنقون كالضفادع " الجمال هو الواقع ، والواقع هو الجمال - ذاك هو كل ما أعرفه في هذه الدنيا - وكل ما أحرص على أن أعلمه - فلا تدع المعرفة وراء هذا " .
أم الفرق فهو مسألة حب ، فذاك الذي يحب هذه الدنيا فيرى الجمال في كل مكان ؛ إنه اله يحول النقص إلى كمال بالعلم والمعرفة ... إنه يستطيع أن يبريء الأعرج والمريض ، ويمكنه أن ينفخ روح الشجاعة في الضعاف المنحوبين ؛ بل في وسعة أن يتعلم كيف يشفي الأعمى فيرد عليه بصره !... إن القوة قد ألقت بمقاليدها بين يدي الفنان الذي يسيطر فيما اعتقد في هذه العالم .
إن إمكانية أن يقع المذهب الواقعي من نفوس الجماهير موقع الاستحسان أمر محتمل تمام الاحتمال في فترة وجيزة من الزمن ، ولكن ليس في فترة غيرها فالجماهير لا تهتم دائما بالبحث عن المعرفة ...... كلا .... بل هي لا تهتم حتى بعصارة الأفهام ، أو ذاك الجوهر الفرد البسيط الدائم ، الذي هو جوهر الحق ، المستقر في كل مكان إلى الأبد ، ولا يراه إنسان . إن ما يعني الجماهير هو الجري وراء المال ، تلك القوه السمينة البهيمية التي يرغون منها ما يمكن أن تتيح لهم - تلك القوة التي هي أشبه بالمرأة ، يصافحها المصافحون حينما لا يقنعون منها بقبلة ، تلك القوة التي أشبه بالسيد السند ، حينما ينفح بعشر قطع من الذهب إلى " سائلة الفقير " .... تلك القوة التي لا يعنيها إلا أن تتصدق بالقليل من المال في مواضع تكون فيها المحبة أولى وأجدى .
فطالما كانت الجماهير تتألف من تلك الطبقة الخسيسة الحوشية ... تلك الطبقة المساومة التي لا تبذل من الخير إلا فتاته ، فلسوف تضل مفتونة بهذا المذهب الواقعي الذي هو حيلة الفنان الوضيع العاجز .
إنه ليس ثمة ما يدعوا إثارة القلق في نفوس رواد المسرح ، وليس ثمة ما يدعوهم إلى استشعار الكآبة .... عفوا .... استشعار الغيظ إن أردت .. أما الكآبة فليس ثمة ما يدعوا إلى مثقال ذرة منها ، إذ أن هذا العدد المعدود من رواد المسرح الذين يشغفون بالجمال ويمقتون المذهب الواقعي ؛ هم أقلية صغيرة تتألف من ستة ملايين من الأنفس ، وهم مبعثرون هنا وهناك في أطراف المعمورة ، وهم كذلك لا يذهبون إلى المسارح الحديثة ، وإن ذهبوا فنادرا ...
المسرح الطبيعي وهو المسرح الذى يتناول احداث العصر الذى نعيش فية والبيئة التي نحيا فيها كما هي بدون زيادة او نقص دون مراعاة للتقاليد واو قوانين او عادات وضعها الانسان
المسرح الواقعي هو الذى يتناول فكرة انسانية تعود بالخير علي عقول الناس وقلوبهم واذواقهم وتزيدهم انسانية وترهف فيهم المشاعر الفنية وتولد لديهم الاحساس بالجمال والحق والخير
وهو المسرح الذى يتناول مشكلة من مشكلات الحياة العملية او نقد ا لوضع من الاوضاع العامة
والكاتب الواقعي في المسرح لا ينقل الحياة الواقعية نقلا حرفيا فوتوغرافيا بل يلخصها ويعطي جوهرها
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)




